الحلبي

164

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

انقطاع نفقتهم ، فإنهم كانت على عوامهم لقيامهم بالتوراة ، فخافوا أن تؤمن عوامهم فتنقطع عنهم النفقة ، أي وكانوا يقولون لمن أسلم : لا تنفقوا مالكم على هؤلاء ، يعني المهاجرين فإنا نخشى عليكم الفقر ، فأنزل اللّه تعالى الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [ النّساء : الآية 37 ] أي من صفة النبي صلى اللّه عليه وسلم التي يجدونها في كتابهم ، فقد كان فيه « أكحل عين ؛ ربعة جعد الشعر ، حسن الوجه ، فمحوه وقالوا نجده طويلا ، أزرق العين ، سبط الشعر ، وأخرجوا ذلك إلى اتباعهم ، وقالوا : هذا نعت النبي الذي يخرج آخر الزمان ، وعند ذلك أنزل اللّه تعالى إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ [ البقرة : الآية 174 ] الآية . وكان اليهود إذا كلموا النبي صلى اللّه عليه وسلم قالوا راعنا سمعك وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ [ النساء : الآية 46 ] ، ويضحكون فيما بينهم ، أي لأن ذلك كما قال ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما بلسان اليهود السب القبيح ، فلما سمع المسلمون منهم ذلك ظنوا أن ذلك شيء كان أهل الكتاب يعظمون به أنبياءهم ، فصاروا يقولون ذلك للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، ففطن سعد بن معاذ لليهود يوما وهم يضحكون . فقال لهم : يا أعداء اللّه لئن سمعنا من رجل منكم هذا بعد هذا المجلس لأضربن عنقه : فأنزل اللّه تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا [ البقرة : الآية 104 ] . وفي رواية أن اليهود لما سمعوا الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم تقول له صلى اللّه عليه وسلم إذا ألقى عليهم شيئا : يا رسول اللّه راعنا : أي انتظرنا وتأن علينا حتى نفهم ، وكانت هذه الكلمة عبرانية تتسابب بها اليهود ، فلما سمعوا المسلمين يقولون له صلى اللّه عليه وسلم راعنا خاطبوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم براعنا يعنون بها تلك السبة ، ومن ثم لما سمع سعد بن معاذ ذلك من اليهود قال لهم : يا أعداء اللّه عليكم لعنة اللّه ، والذي نفسي بيده إن سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لأضربن عنقه ، فقالوا : ألستم تقولونها فنزلت « وجاءه صلى اللّه عليه وسلم جماعة من اليهود بأطفالهم ، فقالوا له : يا محمد هل على أولادنا هؤلاء من ذنب ؟ قال لا ، فقالوا : والذي يحلف به ما نحن إلا كهيئتهم ، ما من ذنب نعمله بالليل إلا كفر عنا بالنهار وما من ذنب نعمله بالنهار إلا كفر عنا بالليل ، فأنزل اللّه تعالى أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ [ النّساء : الآية 49 ] الآية . وجاء « أن أحبار يهود منهم ابن صوريا : أي قبل أن يسلم على ما تقدم وشاس بن قيس وكعب بن أسيد اجتمعوا وقالوا نبعث إلى محمد لعلنا نفتنه في دينه ، فجاؤوا إليه صلى اللّه عليه وسلم فقالوا : يا محمد قد عرفت أنا أحبار يهود وأشرافهم ، وإن اتبعناك اتبعك كل اليهود وبيننا وبين قوم خصومة فنحاكمهم إليك فتقضي لنا عليهم فنؤمن بك ، فأبى ذلك عليهم فنزل قوله تعالى وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ [ المائدة : الآية 49 ] الآية » .